Lana News
وكالة الأنباء الليبية
آخر الأخبار

ملك المغرب: الحوار بين الأديان رافعة أساسية لتجنيب البشرية شرور الفتن والمعاناة.

نشر بتاريخ:

الرباط 14 يونيو 2023 م (وال) – أكد ملك المغرب محمد السادس أن الحوار بين الأديان وتكريس التعايش الإيجابي فيما بينها والتفاهم والتعاون حول أهداف إنسانية سيكون رافعة أساسية لتجنيب البشرية شرور الفتن والأوجاع والمعاناة.

وأبرز العاهل المغربي، في رسالة وجهها يوم أمس الثلاثاء إلى المشاركين في المؤتمر البرلماني الدولي حول “حوار الأديان.. لنتعاون من أجل مستقبل مشترك” الذي ينعقد بمراكش بين 13 و15 يونيو الجاري، أنه لن يتسنى بلوغ ذلك إلا إذا “ربطنا القول بالفعل، وحرصنا على تجديد مفهوم الحوار بين الأديان، وتحقيق نقلة نوعية في الوعي الجماعي بأهمية الحوار والتعايش، وبمخاطر الاستمرار في منطق الانغلاق والتعصب والانطواء.

وأعرب عن تطلعه إلى أن يقدم مؤتمر مراكش، الذي "يجمع لأول مرة البرلمانيين، باعتبارهم مشرعين وممثلين لشعوبهم، وعددا كبيرا من القيادات الدينية ومن العلماء والخبراء والباحثين المرموقين من شتى بقاع العالم"، ردا عقلانيا ورزينا ومقنعا على نزاعات التعصب والكراهية والازدراء بالأديان، ومعاملة الناس حسب ديانتهم أو مذهبهم أو عرقهم أو بشرتهم، مضيفا في هذا الصدد أن تنوع مواقع المشاركين وخلفياتهم السياسية والفكرية والدينية يشكل عاملا حاسما لتحقيق هذا الطموح.

وقال الملك محمد السادس في رسالته، التي نقلتها وسائل الإعلام المغربية إنه "إذا كان البرلمانيون منكم يملكون سلطة المصادقة على التشريعات التي تيسر الحوار وتدرأ خطابات الانطواء والتعصب وتزجرها، فإن لمسؤولي المؤسسات والقيادات الدينية وظيفة التوجيه والتوعية، وإعمال سلطاتهم الروحية، للتأطير والتحذير من الانزلاقات التي تعصف بالتعايش والحوار المثمر بين الأديان.

كما أعرب الملك محمد السادس عن تطلعه إلى أن يتوج المؤتمر بخطط عمل تضطلع "المكونات الثلاثة التي تمثلونها بأدوار حاسمة في إعمالها، على صعيد كل بلد وعلى الصعيد الدولي.

وأكد الملك محمد السادس، في هذا الصدد، أهمية إحداث آلية مختلطة، ينسق أعمالها الاتحاد البرلماني الدولي، وتسعى إلى جعل الحوار بين الأديان هدفا ساميا مشتركا بين مكونات المجموعة الدولية، لافتا إلى أنه ينبغي الدفاع عن هذا الهدف في المحافل الدولية واعتباره أحد معايير الحكامة الديمقراطية في الممارسة البرلمانية ومن مؤشرات احترام التعددية والتنوع الثقافي.

وأبرزت رسالة العاهل المغربي أن ترسيخ مبدأ العيش المشترك باعتباره حصنا ضد التطرف وليس مطية له، إلى جانب احترام الأديان الأخرى، يحتاج إلى جهد بيداغوجي تربوي تضطلع به المدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمؤسسات الدينية وفضاءات النقاش العمومي المسؤول، معربة عن الأمل في أن تتضمن الوثيقة التي ستتوج أعمال هذا المؤتمر اقتراحات عملية لتحقيق هذا الهدف.

وذكًر الملك محمد السادس بعدد من المؤشرات السلبية على مستقبل العلاقات بين الأديان والحضارات، ليؤكد أن الأمر يتطلب تعبئة جميع الطاقات المؤمنة بالمساواة بين الديانات والحضارات وبين أبناء آدم، لقلب هذه المعادلة، واعتماد السياسات التي من شأنها وقف هذا التراجع الخطير في الوعي البشري.

وأبرز الملك محمد السادس أن المؤسسات التي يمثلها المشاركون في هذا المؤتمر توجد في صلب المعركة النبيلة من أجل التفاهم والتسامح والتعايش، من خلال العمل المؤسساتي والتوعوي والتربوي، لافتا إلى أن التعصب لا يوجد في الأديان أو في الكتب الدينية، وإنما تحكمه المصالح التي يخفيها هذا التعصب.

وأكدت الرسالة كذلك أن الصورة القاتمة التي يعيشها العالم اليوم بخصوص صراع المعتقدات لا يمكن أن تحجب الجوانب الإيجابية والمضيئة والمبادرات المقدامة التي تسعى إلى تعزيز جسور التواصل، وترسيخ قيم التسامح والتفاهم والعيش المشترك بين مكونات المجتمع الدولي وبين أتباع ومعتنقي الديانات المختلفة.

واستطرد الملك محمد السادس قائلا: "وإننا لجد سعداء بأن تكونوا، أنتم المشاركين في هذا المنتدى جميعكم، جزءا من هذه النخب السياسية، ومن القيادات الدينية ومن المثقفين والمفكرين، الذين يؤمنون بأن الاستخلاف في الأرض، كما أراده الله عز وجل، هو من أجل التعارف والتعاون والعيش المشترك، في إطار الاختلاف الديني والعقدي، الذي هو مسؤولية وأمانة تقع على عاتق البشرية جمعاء.

كما أكد الملك محمد السادس أنه بالارتكاز على التميز المغربي في التعايش الديني والاعتدال، فإنه من الطبيعي أن يكون المغرب من بين البلدان المبادرة إلى تأسيس آليات دولية للحوار الحضاري وأخرى للتصدي للإرهاب والتشدد والتطرف.

وأضاف الملك محمد السادس، أن المغرب ساهم في تأسيس آليات أخرى، ويساهم في تعزيز مكانتها وأدوارها، ويحتضن ملتقياتها، كما هو الشأن بالنسبة للمؤتمر الدولي لحوار الثقافات والأديان، ومؤتمر حقوق الأقليات الدينية من الديار الإسلامية.

ولم يفت العاهل المغربي التذكير بالمساهمة الحاسمة والفعالة للمغرب في تأسيس وهيكلة المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب، الذي تولت المملكة رئاسته المشتركة لثلاث فترات، من 2015 إلى 2022، مشيرا إلى أن الأمر يتعلق بسياسات إرادية "تمليها علينا مسؤولياتنا والتزاماتنا إزاء المجتمع الدولي بكل مكوناته.

وأشار في ذات السياق إلى أهمية التعايش والحوار، والتشبث بقيم الاعتدال والتسامح ونبذ كل أشكال التعصب والكراهية والتطرف، وكذلك ضرورة إعمال سياسات تيسر بلوغ هذه الأهداف، قبل أن يعرب عن اعتزازه بما تحقق في مجال تدبير الحقل الديني في المغرب، وبأداء المؤسسات التي سهر على إحداثها لهذا الغرض، بما في ذلك تلك المنصوص عليها في الدستور.

وذكر الملك، في هذا الصدد، على الخصوص المجلس العلمي الأعلى: الجهة الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوي، درءا لأي زيغ أو انحراف عن مقاصدها، وكذلك الرابطة المحمدية للعلماء، ومعهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، ومؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة.

من جهة أخرى، أشار الملك محمد السادس إلى حرص المملكة على أن تظل نموذجا للدولة التي يتعايش على أرضها، في أخوة وأمان، معتنقو الديانات السماوية، وذلك وفاء منها لتاريخها العريق في التنوع والتعددية الدينية والثقافية.

وقال العاهل المغربي في هذا السياق "على هذه الأرض تعايش ويتعايش المسلمون واليهود والمسيحيون منذ قرون”، موضحا أن أرض المغرب هي التي استقبلت آلاف الأشخاص من المسلمين واليهود الذين فروا من الاضطهاد الديني من شبه الجزيرة الإيبيرية، خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ووفرت لهم الحماية الكريمة.

وسجل الملك أن التاريخ المعاصر يذكر للملك محمد الخامس الرعاية والحماية التي أحاط بها آلاف الأشخاص من معتنقي الديانة اليهودية، الفارين من اضطهاد حكومة فيشي المتحالفة مع النازية. كما أن الملك الحسن الثاني واصل طيلة فترة توليه العرش، نفس النهج بالعناية بالمواطنين المغاربة معتنقي الديانة اليهودية، وظل حريصا على ترسيخ قيم التعايش والإخاء بين كافة المغاربة من مسلمين ويهود.

وقال الملك محمد السادس إن التاريخ يسجل للملك الحسن الثاني أيضا أنه بادر باستقبال قداسة البابا يوحنا بولس الثاني عام 1985، في أول زيارة يقوم بها قداسته لبلد إسلامي، مشيرا إلى أنه "وبعد أربعة وثلاثين عاما على هذه الزيارة التاريخية، استقبل، في مارس 2019، قداسة البابا فرنسيس، بابا الفاتكان، الذي دعاه إلى زيارة رسمية للمغرب.

وأبرز الملك أن هذه الزيارة جاءت إيمانا منه بالحوار بين الأديان وبأهمية توجيه جهود السلطات الدينية لخدمة السلم والتعاون والأخوة البشرية، مؤكدا على حرصه منذ توليه العرش على تعزيز روح الأخوة والتعايش والتعاون والتلاحم بين المغاربة، يهودا ومسلمين، باعتبار ذلك من الركائز الأساسية للحضارة المغربية.

وخلص الملك محمد السادس إلى أنه إذا كان الإسلام دين الدولة، فإن دستور المملكة يؤكد أن "الدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية"، مؤكدا "وبصفتنا ملكا للمغرب وأميرا للمؤمنين، فإننا مؤتمنون على ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية، ومؤتمنون على حماية اليهود والمسيحيين المغاربة القادمين من الدول الأخرى الذين يعيشون على أرض المغرب.

(وال)