مراسل (وال) جالو يسجل شهادة صادمة لوفاة مهاجرة وطفلها في الصحراء.
نشر بتاريخ:
جالو 10 مارس 2023 م (وال) –تسجل المنظمات المحلية الليبية والدولية أرقاما مرعبة بالآلاف لحالات الوفاة في صفوف المهاجرين غير الشرعيين عبر الطرق والمسالك الصحراوية سواء في دول المصدر أو في الصحراء الليبية باعتبار ليبيا دولة عبور واستقطاب، وهي أكثر الدول تضررا من هذه الظاهرة بسبب الأوضاع الأمنية الخطيرة خاصة في الجنوب الليبي والأوضاع الاقتصادية الهشة التي تعيشها ليبيا.
وتفيد تقارير إخبارية أن المهربين غالبا ما يتخلون عن المهاجرين الذين يعبرون الصحراء لعدة أسباب منها تعطل السيارات ويتركونهم وحيدين في مواجهة العطش ودرجات الحرارة المرتفعة أو الباردة جدا في الصحراء دون وسائل اتصال لطلب النجدة.
وتقول المنظمة الدولية للهجرة إن مخاطر طريق الهجرة الصحراوية متأصلة في الصحراء.
وجاء في تقرير للمنظمة منشور على موقعها أن "المخاطر التي تشكلها التضاريس الوعرة للصحراء معقدة وتتفاقم بفعل عدم الاستقرار والعنف في المنطقة، بالإضافة إلى ممارسات التهريب الضارة.
يُشار إلى أن آلاف المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء ومن جنسيات أخرى خاصة من دول جنوب شرق آسيا يعبرون حدود ليبيا كل عام قادمين من السودان والنيجر وتشاد، للعمل في ليبيا أو لمحاولة عبور البحر المتوسط إلى أوروبا، ويلقى المئات منهم سنويا حتفهم في الصحراء قبل الوصول إلى المدن الليبية أو الساحل الليبي للقفز إلى الضفة الأخرى من المتوسط على متن قوارب متهالكة.
وسجل مراسل وكالة الأنباء الليبية في جالو شهادة لحالة مروعة رواها أحد المهاجرين الذين عبروا الحدود السودانية الليبية مؤخرا مشيرا إلى أنه يتم في الكثير من الحالات إخفاء الشهود والضحايا لخطورة الموقف وسطوة عصابات تهريب البشر.
وأكد المواطن السوداني آدم محمد السيد (35 عاما) القادم من دارفور أنه شاهد عيان على وفاة سيدة سودانية وابنها البالغ من العمر 4 سنوات بعد أن تخلى عنهما المهاجرون وصاحب السيارة التي كانوا يستقلونها في الصحراء.
ويروي آدم فيقول "خرجنا في سيارة نقل من السودان إلى الحدود الليبية ثم استلمنا سائق ليبي في سيارة نقل صحراوية مغلقه وكان عددنا 15 شخصا بيننا امرأة وطفلها البالغ من العمر حوالي 4 سنوات، وتسللنا عبر المسالك الصحراوية إلى الأراضي الليبية عند الفجر.
وأضاف "كان عددنا كبيرا بالسيارة وكنا محشورين ومتراصين بجانب بعضنا البعض وكانت سرعة السيارة عالية فكنا نتعرض للصدمات عند السيوف الرملية علاوة انه كان يوجد فوق سقف السيارة براميل بنزين ما يزيد الوضع خطورة “.
وأكد المواطن السوداني الذي كان يتوقف من حين إلى آخر ليلتقط أنفاسه من هول المأساة التي عايشها أن المهربين منعوهم من أخذ أية أمتعه أو حقائب ما عدا القليل من الماء والغذاء ، مشيرا إلى أنه بعد مرور أكثر من ثلاث ساعات وعند التوغل وسط الرمال، تدهور وضع المرأة وساءت حالتها الصحية وتعرضت إلى ما يبدو أنه حالة غثيان بسبب الإرهاق وكانت تجلس هي وطفلها بجانب السائق، ثم استمرت الرحلة ساعة أخرى للوصول إلى أقرب نقطة أو حركة بشرية من أجل إسعاف هذه السيدة لكن السيارة توقفت عند سيف رمل كبير، وهو علامة دالة في قلب الصحراء يعرفها المهربون .
واستطرد آدم محمد السيد المهاجر السوداني "نزلنا جميعا وقام السائق برفع السيدة ووضعها على الأرض لإسعافها بما يمكن، حيث لا يوجد معنا أي دواء، واستمر توقفنا ساعة كاملة إلا انه يبدو أن المرأة تعرضت لانهيار شديد وتأكد لنا مفارقتها للحياة.
وأردف أن السائق أحضر بطانية وغطى السيدة ووضع عليها قليلا من التراب غير أنه في هذه اللحظة صرخ الطفل صرخة مدوية دوت في أرجاء الفراغ في هذه الصحراء مترامية الأطراف واتجه نحو أمه وسحب جزء من البطانية وارتمى عليها في مشهد يدمي القلب.
وواصل محمد السيد رواية هذا المشهد الصادم من هذه المأساة الإنسانية قائلا "توجه إلينا السائق وقال من منكم يكفل هذا الطفل ويأخذه معه نظرنا إلى بعضنا ولم يقبل أي أحد، فركبنا جميعا السيارة وقال السائق مجددا سوف أشغل المحرك من منكم يأخذ الطفل فلم يرد عليه أحد، فذهب إلى الطفل وسحبه من يده لكن الصغير رفض واستمر في البكاء.يضيف انطلقت السيارة وتركنا الأم وصغيرها يواجه المصير المجهول والكل ينظر من نوافذ السيارة ليشاهدوا الطفل يلوح بيده وكأنه يقول لا تتركونا، وبعد عشرات الكيلو مترات قال السائق أنتم ليس بكم رحمة فلا تنتظروا من أحد أن يرحمكم “.
وأوضح أن الرحلة استمرت باتجاه مدينة جالو نقطة العبور الأولى إلى المدن الليبية وفي تلك الأثناء عثر أحد المهاجرين على مرضعة الطفل ملقاة تحت الكرسي فرفعها وأجهش بالبكاء.
وأضاف " نظر إلينا السائق مرة أخرى وقال إن هذا الطفل أشرف منا جميعا وأرجل من الكل حيث لم يتخل عن أمه ورفض السفر مع زمرة من الجبناء الفاشلين.
وتابع المهاجر السوداني في شهادته المروعة "دخل وقت العشية واقتربت الشمس من المغيب وما أن شاهدنا أول عمود إنارة وبداية واحات النخيل على تخوم جالو قلت للسائق أني أريد النزول هنا ولن أستمر، فوافق ونزلت ومشيت طويلا بالليل إلى أن وجدت بعض العمال من دارفور فاستقبلوني وبت معهم وحكيت لهم الحادثة التي هزتني فاتصلوا ببعض معارفهم بالمدينة من الليبيين والسودانيين وأخذنا بعض الطعام والدواء وانطلقنا صباحا مسرعين لوجهتنا عند سيف الرمل الكبير وفي الطريق راودتني مشاهد مروعة وما أن اقتربنا حتى رأيت الجثمان من بعيد فقفزت بسرعة واقتربت من الأم المتوفاة وكانت الصدمة حيث رأيت الطفل ملتصقا بأمه يعانقها واضعا خده على خدها وأثار الدموع متيبسة على وجهه ووجهها من شدة برد الصحراء ليلا .
وأجهش السوداني آدم محمد السيد بالبكاء قائلا بصعوبة " لقد توفي الطفل متجمدا من شدة البرد ليلا في الصحراء المرعبة وهو في حضن أمه، وكانت يده في يد أمه وكأنه يريد سحبها لكي تستيقظ “.
وأكد في ختام رواية هذه المأساة الإنسانية التي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة تأكيدا أنه تم دفن الأم وطفلها في قبر واحد بعد أن قام الحاضرون بأداء صلاة الجنازة عليهما معترفا بأن يعتبر نفسه شريكا في هذه المأساة وخاصة في المسؤولية عن التخلي عن الطفل الصغير في الصحراء.
تتعدد أسباب الهجرة إلى أوروبا وتدفع بالبعض إلى عبور الصحراء وركوب البحر على متن قوارب متهالكة في ظروف تؤدي معظمها إلى الموت أو الضياع وسيستمر مسلسل الموت طالما أن الدول المعنية في المصدر أو العبور أو المقصد تتعامل مع هذه المأساة الإنسانية من خلال مقاربات أمنية أثبتت فشلها على مر السنين.
(وال)
.